العملات العربية: حين تسرق “الأرقام” سكون الليل من البيوت

كتبت: هبه وصفي_
المقدمة: الدولار.. الضيف الثقيل على مائدة الطعام
في عواصم عربية كثيرة، لم يعد سعر الصرف مجرد شريط أخبار يمر أسفل شاشات البورصة، بل أصبح “المنبه” الذي يستيقظ عليه الناس ليسألوا: “بكم الرغيف اليوم؟”. في عام 2026، تحولت العملة المحلية من وسيلة للتبادل إلى مرآة للقلق؛ فكل اهتزاز في قيمتها يترجم فوراً إلى وجع في جيوب الآباء، وحيرة في أعين الأمهات وهنّ يحاولن تدبير عشاء بسيط.
مصر: معركة الجنيه بين صمود الأرقام وواقع السوق
في مصر، لم يعد الحديث عن “سعر الصرف المرن” مصطلحاً اقتصادياً جافاً، بل أصبح حكاية يومية عن “سترة الحال”. ورغم تدفق الاستثمارات الكبرى، يبقى المواطن معلقاً بين تقارير البنك المركزي التي تتحدث عن استقرار نقد مأمول، وبين رفوف المتاجر التي لا ترحم. التضخم هناك ليس مجرد نسبة مئوية (30% أو أكثر)، بل هو تنازل مؤلم للطبقة الوسطى عن أحلام كانت بالأمس قريبة، كشراء شقة أو تأمين تعليم متميز.
لبنان: الانهيار حين يصبح نمط حياة
يظل لبنان الجرح الأكثر عمقاً؛ حيث لم تعد الليرة “عملة”، بل أصبحت رمزاً لزمن ضائع. بعد فقدان 90% من قيمتها، صار اللبناني غريباً في بلده، يتقاضى أجراً بليرة لا قيمة لها، ويشتري احتياجاته بدولار لا يملكه. إنه نموذج حي لما يحدث حين يتبخر الأمان النقدي، ويتحول الاقتصاد إلى غابة ينجو فيها فقط من يملك “العملة الصعبة”، بينما يغرق البقية في بحر من الأجور المتآكلة.
الخليج والمغرب العربي: ظلال القلق في واحات الاستقرار
• في الخليج: ورغم أن “الريال” و”الدرهم” يتكئان على جبال من الاحتياطات النفطية وربط وثيق بالدولار، إلا أن “التضخم المستورد” يتسلل إلى البيوت. الأسعار العالمية تجعل كلفة المعيشة ترتفع، ليجد حتى الميسورون أنفسهم في مواجهة فواتير لم يعهدوها.
• تونس والمغرب: يعيش التونسيون قلق الدين الخارجي الذي يطارد لقمة عيشهم، بينما يحاول المغرب الحفاظ على توازنه في وجه الجفاف وتقلبات الأسواق، مدركاً أن استقرار العملة هو “خيط الحرير” الذي يمنع العقد الاجتماعي من الانفراط.
الخلاصة: العملة ليست ورقة مطبوعة، هي “وعد” تقطعه الدولة لمواطنيها بأن جهدهم لن يضيع سدى. وفي 2026، يبدو أن استعادة هذا الوعد تتطلب ما هو أكثر من المسكنات النقدية؛ تتطلب اقتصاداً يشعر به الناس في بيوتهم، لا في نشرات الأخبار فقط.