قاطرة الكلمة

محمد عز الدين الحجار يكتب : العلاج بالفن (٢): نظرة على الأساليب الحديثة من أجل المستقبل

شهد مجال العلاج بالفن خلال العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا نتيجة التقدم في علوم النفس، والتربية العلاجية، والعلوم العصبية، والتكنولوجيا الرقمية، مما أدى إلى انتقاله من كونه نشاطًا داعمًا للتعبير الانفعالي إلى منهج علاجي متكامل قائم على أسس علمية وتطبيقات متعددة ، و يأتي ذلك امتدادًا لما ذكرناه في المقال السابق.

، وقد أسهمت الاتجاهات الحديثة في تطوير أساليب العلاج بالفن بحيث أصبحت أكثر تكاملًا مع المدارس العلاجية المعاصرة، وأكثر قدرة على التعامل مع اضطرابات القلق والصدمات النفسية وصعوبات التعلم ومشكلات التوافق النفسي لدى الأطفال والراشدين.

نبدأ مع أسلوب العلاج بالفنون التعبيرية المتكاملة والذي يعد من أبرز الاتجاهات الحديثة في العلاج بالفن، حيث يقوم على توظيف أكثر من وسيط فني داخل العملية العلاجية مثل الرسم والموسيقى والدراما والحركة والكتابة الإبداعية، ويساعد هذا التكامل على تنشيط قنوات متعددة للتعبير النفسي، الأمر الذي يسهم في الوصول إلى المشاعر العميقة التي يصعب التعبير عنها لفظيًا، وتشير الدراسات التربوية والنفسية إلى أن هذا النوع من العلاج يعزز الوعي الذاتي، وينمي القدرة على التواصل الانفعالي، ويساعد في خفض مستويات التوتر لدى الأطفال والمراهقين، خاصة في البيئات التعليمية والعلاجية.

أما الأسلوب القائم على اليقظة الذهنية في العلاج بالفن فيعتبر من الاتجاهات الحديثة التي تجمع بين التأمل الواعي والممارسة الفنية، حيث يسهم هذا الدمج في زيادة قدرة الفرد على ملاحظة مشاعره وأفكاره دون إصدار أحكام، مما يساعد على تنظيم الانفعالات وتقليل القلق، كما أثبتت التطبيقات الحديثة لهذا الأسلوب فاعليته في تحسين الانتباه والتركيز، وخفض الضغوط النفسية، وتعزيز الشعور بالاستقرار النفسي، خاصة لدى الأفراد الذين يعانون من الضغوط المهنية أو الاضطرابات الانفعالية، وهو ما أميل له في برامج الدعم من خلال السرد العلاجي.

ويمثل العلاج بالفن المعرفي السلوكي اتجاهًا تكامليًا يجمع بين تقنيات العلاج المعرفي السلوكي وأساليب التعبير الفني، حيث تُستخدم الرسوم والرموز البصرية للكشف عن الأفكار السلبية وإعادة بنائها بطريقة أكثر إيجابية وتكيفًا، ويساعد هذا الأسلوب على تنمية مهارات التفكير الواقعي، وتحسين تقدير الذات، وتعزيز القدرة على مواجهة المشكلات اليومية، كما يُستخدم بصورة فعالة في علاج اضطرابات القلق والاكتئاب وصعوبات التكيف الاجتماعي، وهو الأكثر استخدامًا لدى المعالجين النفسيين.

ومع التطور التكنولوجي ظهرت اتجاهات حديثة في العلاج بالفن تعتمد على استخدام الوسائط الرقمية مثل الرسم الإلكتروني، والتطبيقات التفاعلية، والواقع الافتراضي، مما أتاح فرصًا جديدة للتعبير النفسي خاصة لدى الأطفال والمراهقين، وهنا تسهم البيئات الافتراضية في توفير مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر والخبرات الصادمة بطريقة غير مباشرة، كما تساعد في زيادة دافعية المشاركين للانخراط في العملية العلاجية وتحقيق نتائج أكثر استقرارًا، وقد لا نراه منتشرًا في مصر بالشكل الكافي.

ثم نصل إلى العلاج بالفن القائم على الصدمة النفسية، ويستخدم بشكل أساسي مع الأفراد الذين تعرضوا لخبرات قاسية مثل العنف أو الفقد أو النزاعات، حيث يسمح التعبير الفني بإعادة تنظيم الخبرة الصادمة بصورة رمزية تقلل من حدتها الانفعالية، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن التعبير الفني يساعد على استعادة الإحساس بالأمان النفسي، وتحسين القدرة على التكيف، وتعزيز الشعور بالسيطرة على الخبرات المؤلمة، مما يجعله من الأساليب العلاجية الفعالة في برامج الدعم النفسي والاجتماعي.

واتجهت التطبيقات الحديثة للعلاج بالفن إلى توظيفه داخل المؤسسات التعليمية وبرامج التأهيل النفسي والاجتماعي، حيث يسهم في تنمية مهارات التواصل، وتعزيز الثقة بالنفس، وتحسين التفاعل الاجتماعي لدى الأطفال، كما يستخدم العلاج بالفن في برامج التربية الخاصة لمساعدة الأطفال ذوي صعوبات التعلم واضطرابات التواصل على التعبير عن احتياجاتهم النفسية وتنمية قدراتهم الإدراكية والانفعالية، وأراه حلًا حقيقيًا لمشكلات نفسية ومجتمعية كثيرة، شرط اعتماده بشكل رئيسي في المناهج التربوية الرسمية، خصوصًا في مراحل التعليم الأساسي.

عودًا على بدذ؛ يتضح أن العلاج بالفن أصبح مجالًا علاجيًا متطورًا يعتمد على التكامل بين التعبير الإبداعي والنظريات النفسية الحديثة والتقنيات الرقمية المعاصرة، وقد أسهمت هذه الاتجاهات الحديثة في توسيع نطاق استخدامه داخل المؤسسات العلاجية والتربوية والاجتماعية، مما يعزز دوره في تحسين الصحة النفسية وجودة الحياة لدى مختلف الفئات العمرية، ومن المتوقع أن يزداد الاهتمام بهذا المجال مستقبلًا في ظل التطور المتسارع في التطبيقات التكنولوجية العلاجية، لذا على الدولة النظر بجدية إلى هذا الأسلوب -من وجهة نظري- للمساهمة في إنقاذ الأجيال القادمة من شرٍ أوقع من سبقوهم في غياهب الألم والاضطرابات النفسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى