قاطرة الكلمة

إسحاق بندري يكتب: ظل الدرفش: ثلاثية الانتماء والاغتراب والفقد.

إسحاق بندري يكتب: ظل الدرفش: ثلاثية الانتماء والاغتراب والفقد

تقدم الروائية مريم هرموش،في أحدث رواياتها “ظل الدرفش“، إضافة جديدة لما يمكن أن نطلق عليه “أدب اللجوء” العربي المعاصر، لكنها بذكاء يُحسَب لها تبتعد عن الرصد التوثيقي لمعاناة المهاجرين.

ففي هذا النص تتخطى مريم هرموش حدود القصة الواقعية أو التقليدية لتتحول الرواية إلى تشريح سيكولوجي وسوسيوبوليتكي لمفاهيم الانتماء والاغتراب والفقد سواء في الوطن أو في المهجر بما يسلط الضوء على إشكاليات الهوية.

من خلال تتبع قصة عن أبناء طائفة الصابئة المندائيين، تُشَكِّل الكاتبة نصًا يتفحص تأثير الفقد المرير حينما يمتزج مع غربة الانتماء، كما يعمل على تحويل المأساة الفردية إلى مرآة تنعكس عليها التبعات القاسية للصراعات والتحولات الكبرى.

تصور شخصية “يحيى” نموذجًا للبطل التراجيدي، فهو ليس مجرد ضحية للحرب والتمزق، لأن مأساته أعمق وأصعب؛ فهو يمثل أحد أفراد الأقليات الدينية وهي طائفة الصابئة المندائيين، وهي جماعة دينية صاحبة خصوصية روحية وتاريخية قديمة.

هذا الانتماء تسبب في أن يعيش يحيى اغترابًا داخل وطنه الأم (العراق) بفعل نظرات الريبة والتشكيك سواء المستتر أو الصريح، مما جعل هجرته إلى السويد في النهاية رحلة من الغربة بالداخل إلى المنفى بالخارج.

ثمة إشكالية وجودية يتعرض إليها يحيى يجوز أن ندعوها “مفارقة الماء”.

ففي العقيدة المندائية، يُعتَبَر الماء الجاري من العناصر المقدسة، لأنه وسيلة للتعميد، كما أنه يشير إلى الحياة والارتقاء الروحي.

لكن مع تصاعد الأحداث ينقلب هذا المفهوم رأسًا على عقب حين يبتلع هذا الماء نفسه زوجة يحيى وابنته “دانة” خلال رحلة الهروب نحو اليونان.

بالتالي، يتحول الرمز الديني من مصدر للخلاص وقيمة روحانية إلى أداة للموت والفقد.

هذه الصدمة الوجودية لا يمكن النظر إليها باعتبارها ذروة دراما الحياة فقط، بل يكمن فيها دمار المرجعية الروحية للبطل؛ فالماء الذي يمنح الطهارة، أصبح وحشًا يسلب منه حياته الحقيقية وإحساسه بالوجود.

لذلك، وفي أثناء رحلته إلى السويد مرورًا باليونان وبلغاريا، يصاب يحيى بصدمة بالغة إذ يطارده الشعور بالذنب لنجاته مقابل موت زوجته وابنته أو ما يعرف بمصطلح (Survivor’s Guilt) ويصبح بقاؤه على قيد الحياة تهمة يوجهها لنفسه في كل لحظة لإحساسه أنه المتسبب في هلاكهما ويسيطر عليه هاجس الخذلان.

لكن على جانب آخر، لا يفقد يحيى ما تتسم به شخصيته من سلاسة ومرونة، لأنه عندما يستقر في السويد، يبرز الجانب الإيجابي الذي يميزه عن الشخصيات النمطية للاجئين.

يختار يحيى الاندماج في وطنه الجديد؛ يحرص على تعلم اللغة، يلتزم بالقوانين السويدية على نحو لا يقل عن السويديين، مع إصراره على مراعاة الاختلافات الثقافية وتفهم اختلاف التقاليد ومراعاتها.

لا ينبع هذا السلوك من رغبة في التخلي عن إرثه وهويته، بقدر ما يشكل أملاً جديدًا في النظام والاستقرار، بعد أن تقوضت أركان حياته السابقة بسبب فوضى الحروب والانقلابات والخسائر، وجد يحيى في المجتمع السويدي الهادئ والمؤسساتي المنضبط ملاذًا أخيرًا يمنحه إحساسًا ضروريًا بالسيطرة على إيقاع حياته.

بالتوازي مع ذلك، تظهر إشكالية الاغتراب داخل الاغتراب، إذ ترسم الرواية ذلك التوتر الواضح بين يحيى وأقرانه من المهاجرين من مواطنيه الذين يرفضون الاندماج كما يعمدون إلى التكاسل ولا يتخلون عن السلوكيات الفوضوية أو أسباب الشقاق.

يرى يحيى في ذلك تهديدًا للنظام الجديد الذي يحاول من خلاله ترميم بقايا حياته.

يرفض أن يصبح جزءًا من جيتو ثقافي يعيد إنتاج نفس أسباب الشقاء، يفضل الاندماج الواعي على الانتماء القائم على استعداء المجتمع الجديد.

من هنا تطرح الرواية أهمية تجنب القوالب الجاهزة في تصوير تجمعات اللاجئين ككتلة واحدة متجانسة ومصمتة، وتؤكد على فردانية التجربة الإنسانية.

أما شخصية “تارا”، الطبيبة النفسية السويدية ذات الأصول الإيرانية، فهي بمثابة القطب الآخر الذي يمنح الرواية توازنها الفكري.

تتجلى في “تارا” مكونات الاغتراب الصامت. لقد اختار أبواها المهاجران من إيران، الصمت حيال جذورهما المندائية كآلية دفاعية للحماية من وصمة الأقلية في الوطن الجديد والهروب من إرث الماضي.

هذا الصمت، رغم حسن نيته إلا أنه خلق فراغًا غير مفهوم يتعلق بهوية تارا الشخصية وماضي الأسرة.
جاء اللقاء بينها وبين يحيى ليسد هذه الفجوة الغائبة – الحاضرة في تكوينها.

لا يقتصر دور تارا على كونها طبيبة، لكنها تكتشف أن الاستقرار المادي والنجاح المهني في المجتمع السويدي لم يفلحا في علاج الفراغ الروحي الذي نجم عن تغييب الأصل والإرث. هذا الفضول المتزايد بداخلها لاستكشاف المندائية ليس بحثًا عن دين أو عقيدة فحسب بقدر ما هو بحث عن جذور لمعنى وجودها.


يحدث التبادل ما بين يحيى وتارا: فهو يثير فضولها حيال الجذور، وهي تقدم إليه الآليات النفسية للتعافي.

يؤكد ذلك على أن الهوية تظل جرحًا مفتوحًا لا يندمل إلا بالاعتراف والبوح، وأن محاولة محو الذاكرة هي نوع من الانتحار الرمزي الذي يورثه الآباء للأبناء.

هناك نقطة محورية أخرى تقوم عليها الرواية، إذ تتقدم تارا بنصيحة أن يلجأ يحيى إلى التدوين كجزء من جلسات العلاج النفسي. هنا، يتحول النص إلى ميتافيكشن؛ إذ يصبح البطل هو كاتب الرواية التي نقرأها.

الكتابة هنا ليست مجرد تفريغ للمخزون العاطفي المأساوي أو أداة علاجية، بل هي طريقة لمواجهة المخاوف وفهم أسباب الهواجس.
يحيى الذي ظل مفعولاً به يتعرض للهروب من وطنه وصدمة فقدان الزوجة والابنة، يصبح عبر الكتابة خالقًا لمسار الأحداث.

إنه يعيد تشكيل الماضي، يمنح صوتًا لدانة الغريقة، ويخلد تفاصيل الوطن قبل أن تضيع من ثنايا الذاكرة. تتحول الكتابة بدورها إلى وطن بديل لا يستطيع أحد مصادرته، أو كأنها “الدرفش” (سارية العلم المندائي) الذي يرفعه يحيى على صفحات الورق ليعلن بقاءه الرمزي.

هذا التبدل من دور “الضحية” إلى “الراوي” هو الجوهر الحقيقي لعملية التعافي النفسية التي يمر بها يحيى.

لا تجنح الرواية إلى الأضداد، ولا تسقط في فخ المثالية المطلقة أو الشيطنة التامة للمجتمع الجديد.

يواجه يحيى في رحلة هروبه جميع الأطياف البشرية.

يقابل الداعمين الطيبين الذين يمثلون الأمل والتعاطف الإنساني العابر للقوميات، وعلى الجانب الآخر يصادف العنصريين واللصوص وكارهي الأجانب.

هذا التباين يمنح الرواية واقعيتها؛ لأن الحياة في واقع الأمر ليست يوتوبيا حالمة، بل هي ساحة صراع بين نقائض عديدة.

يأتي لقاء يحيى بهذه النماذج المتناقضة ليساعده على ترميم ثقته بالإنسانية، مع ترسيخ اليقظة كغريزة بقاء لا بد منها للغريب. العنصرية التي واجهها يحيى لم تكن عائقًا بل تحولت إلى عامل تحفيز له ليثبت استحقاقه الإنساني لما يحمله داخله من رغبة في استمرار الحياة.

عنوان الرواية “ظل الدرفش” لابد أن يحث القارئ على البحث؛ لأن “الدرفش” هو الرمز المندائي المقدس (الصليب المندائي المغطى بالقماش الأبيض)، وهو رمز للنور والاتصال بالخالق.

في أحداث الرواية، لا يظهر الدرفش كجسم مادي فحسب، لكنه يبدو كظل يلاحق الأبطال. هذا الظل يحمل دلالتين: بقايا الهوية التي ترفض الزوال رغم ما تعرضت إليه من رفض في الوطن، كما يُعتَبَر الثقل المعنوي والأخلاقي الذي يتمسكون به في أرجاء المهجر.

إن يحيى، وتارا من بعده، يعيشان تحت هذا الظل الذي يحميهما من الذوبان الكامل في المهجر، يذكرهما طوال الوقت بقيمة الحياة في أي مكان مع أهمية الحفاظ على الإرث الروحي ورقائق الهوية.
لأول وهلة نرى في “ظل الدرفش” ملحمة إنسانية حافلة بالعمق العاطفي في مواجهة ويلات اللجوء والهرب.

ومع أن الرواية لا تقدم حلولاً جاهزة إزاء مآسي اللاجئين، إلا أنها تشدد على أهمية المواجهة والتمسك بغريزة الحياة.


يحتفي النص الروائي بصمود الروح البشرية في وجه كوارث الأقدار ويمجد الكتابة كرد فعل إيجابي في مواجهة الكارثة والنسيان، وفي الوقت نفسه يطرح أسئلة كثيرة: هل يمكن للمنفى أن يصبح وطنًا؟ أم أن الوطن هو تلك اللحظة التي نمتلك فيها الشجاعة لنكتب حكايتنا كاملة في شجاعة ترفض الخوف وتطرح عنها العجز والمرارة؟
إن كان يحيى قد وجد الشفاء في الكلمات، ووجدته تارا في الجذور، لكن قارئ الرواية يبقى أمامه أن يبحث كثيرًا عن تلك الأقليات التي لا نكاد نعرف عنها إلا أقل القليل، لكي يتعاطف معها ويتعرف عليها كواحدة من قطع الفسيفساء المتعدة المكونة للأوطان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى